عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

225

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وتنحل عقد هياكلها كما تنعدم الصور المرئية في النوم بالانتباه فترجع إلى محلها الذي خلقت منه ، ثم ينفخ النفخة الثانية في الصور فترجع كما كانت في عالم الأرواح فتدخل في قوالب الأشباح كما ذكرنا لك من عود إشراق الشمس في زجاجتها ، وكل هذا باعتبارها في وجودها ، فإن العالم الأخروي هو عالم الأرواح ، وجميع عالم الأرواح عبارة عن مطلق الروح الموجودة في الإنسان فلا يخرج الإنسان عن نفسه ، لأن الآخرة عبارة عن عالم الأرواح وعالم الأرواح قد يجمعه مطلق روحه لما سبق مما ذكرنا أن العالم جميعه كمرائي متقابلات توجد كل واحدة منهن في الأخرى على حكم الأحدية لا على حكم المماثلة والمشابهة ، فجميع العوالم جوهر فرد غير منقسم في نفسه على الحقيقة ، وما تراه من التعداد والانقسام فهو خيال ، بمثابة ما لو فرضنا الانقسام في الجوهر الفرد وهذا معنى قوله تعالى : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً « 1 » . فإذا فهمت هذه النكتة علمت سرّ أحدية الحق تعالى في الوجود ، وشهدت ما وعد اللّه تعالى به وأوعد من الجنة والنار ومن أهوال الآخرة يقينا كشفا عيانا ، فصار إيمانك إيمان زيد بن حارثة رضي اللّه عنه حيث قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « أصبحت مؤمنا حقا ، فقال ما حقيقة إيمانك ؟ فقال : أرى كأن القيامة قد قامت وعرش ربي بارز ، أو كما ذكر في الحديث » « 2 » . وأما القيامة الصغرى المخصوصة بكل فرد من أفراد الإنسان ، فإنه متى انتصب ميزان عقله الأول في قبة عدله الأكمل وأتت المقتضيات الحقائقية تحاسبه بما تقتضيه كل حقيقة من حقائقه أو ضرب له صراط الأحدية يمشي على متن جهنم الطبيعية أدقّ من الشعر لغموضه ، وأحد من السيف لبعده ، فإما مسرع في سيره كالبرق الخاطف لقوة مركبه السائر في المعارف ، وإما كالجبل في ثقله لتعلقه بسفله ، فإذا جاز الصراط وقام ناموس القسطاس دخل جنة الذات ورتع في ميادين الصفات ممحوقا عن إنيته ، مسحوقا عن هويته ، لا يرى لنفسه أثرا ولا يعرف له خبرا ، قد نادى في ناديه منادي الجبار فقال : « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ » « 3 » فلما لم يجد سواه قال : « لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » « 4 » فليس له بعدها غفلة ولا حضور ، ولا يرجى له بعد ذلك موت

--> ( 1 ) آية ( 95 ) سورة مريم . ( 2 ) ابن أبي شيبة 11 / 43 ، والطبراني 3 / 302 ، ومجمع الزوائد 1 / 57 . ( 3 ) آية ( 16 ) سورة غافر . ( 4 ) الآية السابقة .